المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحالة التركية وارتداداتها في المجتمعات المحلية اخبار اليوم


امير الفتلاوي
07-26-2016, 04:23 PM
عبدالله موسى الطاير

عودة الاستقرار إلى تركيا مهم جدا للأشقاء الأتراك وللمنطقة، واختيار الشعب التركي الوقوف إلى جانب قيادته الشرعية المنتخبة يؤكد أن المشاركة الشعبية في القرار تقوي السلطة ولا تضعفها؛ لأن الذين خرجوا للشارع كانوا من حزب العدالة والتنمية ومن بقية الأطياف السياسية والفكرية. وحتى أقطع الطريق على المتأولين والمؤولين أقر وأعترف أنني ضد الانقلاب العسكري في تركيا؛ بيد أنني غير ملزم بالتصديق أن معجزة حدثت أو ملائكة نزلت من السماء عملت على إفشال الانقلاب، فالله أقام هذا الكون على نواميس وجعل لحياتنا منطقا يصعب معه القفز إلى المعجزات والكرامات في مسائل قد تدخل في مدلول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “أنتم أعلم بأمر دنياكم”، كما أن التعلق بالتفسير الميتافيزيقي لفشل الانقلاب يستلزم تطبيقه على حالات مماثلة في دول أخرى.

إذا كانت دول أجنبية تتخذ قراراتها من منطلقات أخلاقية فالمملكة من أكثر دول العالم خدمة للإسلام والمسلمين ودعما لقضاياهم، وتعتبر ذلك مبادئ لا يجب التخلي عنها تحت أي ظرف من الظروف
فالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز تعرض عام 2001م لغضب رجال الأعمال والمتنفذين بسبب حزمة من القرارات التي أصدرها لصالح الطبقات المتوسطة والفقيرة، فتم الترتيب والتخطيط لانقلاب عسكري ضده شاركت فيه دول عظمى ونجحت الخطة في الانقلاب عسكريا على الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطيا في 12 أبريل 2002م، واعترفت أميركا بالرئيس الجديد، واقتيد شافيز إلى المعتقل، ولكن أنصاره الذين جاءوا به إلى الحكم بأغلبية ساحقة خرجوا إلى الشوارع وأعادوا رئيسهم المحبوب بعد يومين فقط.

وفي عام 1991م وتحديدا في 19 أغسطس حدث انقلاب على رئيس الاتحاد السوفياتي جورباتشوف، وقد تصدى له أعداء الرئيس ومؤيدوه من محبي الديمقراطية الفتية في ذلك الجزء من العالم، وخرج الناس إلى الشوارع، وبعد ثلاثة أيام عاد الرئيس إلى موسكو وفشل الانقلاب.

كان يمكن أن يمر الحدث التركي كغيره من الانقلابات التي تعرضت لها دول إسلامية بعضها نجح كانقلاب موريتانيا العسكري الذي عزل معاوية ولد الطايع أثناء حضوره عزاء الملك فهد رحمه الله عام 2005م، أو ثورة غالبية الشعب على حكم الرئيس مرسي التي هيأت للجيش المصري فرصة عزله وتنصيب رئيس من المؤسسة العسكرية التي تتمتع بمصداقية وثقة عند المصريين.

أقول كان يمكن للحدث أن يعبر بردود أفعال طبيعية لولا حدوث ارتدادات عنيفة خارج القطر التركي وبخاصة في الميادين الافتراضية العربية ومنها بالطبع الحلبة السعودية التي شهدت مبارزة عنيفة ليس بين المؤيدين والمعارضين للانقلاب؛ فقد كان المزاج السائد هو المعارضة له، وإنما حدث الشقاق والخصام بين المتعصبين للفرد وبين خصومهم.

وكما أن تجربة الانقلابات التي أفشلتها إرادة الشعوب ليست حصرا على تركيا، فإن تعلق بعض النخب والتيارات بقيادات أجنبية ليست حكرا على دولة بعينها، فالكثير من النخب السياسية والفكرية الأميركية المتعصبة تتعلق بإسرائيل وقياداتها أكثر من تعلقها برئيس الولايات المتحدة الأميركية، وسابقة الكونغرس الأميركي في دعوة رئيس وزراء الكيان الصهيوني إلى أميركا وإلقاء خطاب في الكونغرس بدون موافقة الرئيس باراك أوباما أو حضوره تعبر بصدق عن حالة التقديس لهذه الدولة الأجنبية ورئيس وزرائها.

إنها ولاءات إيديولوجية، وثقافية وقيم يرونها مشتركة مع الدولة العبرية ورئيسها. قد نتفهم على مضض التأثير والتأثر العابر للحدود، كتشجيع الأندية العالمية الذي أصبح ظاهرة كونية يتشارك فيه مواطن في اليابان مع آخر في الكونغو، أو بروز نجوم الفن والطرب والرياضة في سماء الأوطان في مقابل انحسار شهرة العلماء والأبطال الحقيقيين الذين يقودون العلم والتنمية والوعي.

غير أن الولاءات الانتقائية التي تؤسس على خلفيات تاريخية وقناعات حزبية أو فكرية وتوظف خطابا مكتنزا بالإسقاطات السياسية تطرح أسئلة كبرى مثيرة للقلق.

اللافت في الظاهرة هو تناقض فاضح في الخطاب الداخلي والخارجي لأولئك المتعصبين. فهم يقفون بالمرصاد لأي حالة انفتاح في الداخل؛ فلو قيل مثلا إن المرأة سوف تتمتع بنفس الحقوق والحريات التي تتمتع بها المرأة التركية، وإن السياح الأجانب سيدخلون دون قيد أو شرط كما يحدث في تركيا لرأيت القوم أول المعترضين، ويسوقون من الأدلة الشرعية ويحشدون العامة من أتباعهم لإحباط أي مبادرة حكومية، ولو أن الحكومة على الصعيد الخارجي قررت أن تطبع مع الكيان الصهيوني من أجل أن يكون لها موطئ قدم في حل القضية الفلسطينية من الداخل ولعب دور قد يكون أكثر تأثيرا لصالح الفلسطينيين من الدور الذي لعبته على مدى أكثر من ستة عقود من الخارج، فإن هؤلاء النفر سوف ينتفضون افتراضيا في وجه القرار وربما يؤلبون العالم الإسلامي على المملكة. إذا كنتم لا ترغبون أن يؤول حالنا إلى ما آلت إليه تركيا داخليا وخارجيا فلماذا تحرضون عامة الناس للصلاة إلى قبلتكم السياسية؟

ليس هذا الطرح لتغيير مواقف أحد من الناس، فلا بأس من أن يكون لكل قناعاته التي يحتفظ بها لنفسه وخاصته إذا كان شخصية عامة ذات أتباع، أما إعلانها على الملأ لملايين ممن يصدقون حديثكم ويثقون برأيكم ويهتفون على إيقاع كلماتكم الرنانة فقد ولجتم بهذا الفعل مسارا غير المخصص لكم.

إذا كان المأخذ على دولكم أنها لم تقدم الملجأ للفارين والمعارضين من قيادات الإخوان المسلمين فقد آوتهم تلك الدول من قبل عندما كانوا مستضعفين مضطهدين، وإذا كانت دول ترفض ما تعتبره انقلابا في مصر فإن هناك دول أخرى رأت أن ما حدث في مصر هو تصحيح لمسار بلد كان ينزلق إلى ما آلت إليه ليبيا وسورية، وكانت عيون أعداء الأمة على مصر التي تعد مفصلا مهما في منظومة الأمن العربي. ومثلما تُلتمس الأعذار لدول وقيادات أخرى خارج الحدود، فمن الأولى التماس ذات المبررات لقرارات دولكم المصيرية داخليا وخارجيا.

وإذا كانت دول أجنبية تتخذ قراراتها من منطلقات أخلاقية فالمملكة من أكثر دول العالم خدمة للإسلام والمسلمين ودعما لقضاياهم، وتعتبر ذلك مبادئ لا يجب التخلي عنها تحت أي ظرف من الظروف. أما إذا كانت كل هذه الجلبة هي بحث دؤوب عن زعامة ولو في جزر الواق واق، فإن المسعى سيبوء بالفشل لأن الحزبيين لا يؤمنون إلا بأنفسهم وإذا خلوا إلى بعضهم اختلفوا.

altayer@msn.com

الرياض

The post الحالة التركية وارتداداتها في المجتمعات المحلية (http://www.qoraish.com/qoraish/2016/07/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%af%d8%a7%d 8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85/) appeared first on قريش (http://www.qoraish.com/qoraish).