المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سَفَر مُثْقَل بجِراب رمْل. اخبار اليوم


امير الفتلاوي
09-09-2016, 11:10 AM
د محمد غاني



، باحث في الأكسيولوجيا و الديونطولوجيا.
عجبا لمن يعرف أنه مسافر في هاته الدنيا الى ربه فملاقيه، و لا يزيد فوق ظهره الا أحمالا و أحمالا من العمل المشوب بالمراآة، دون اتباع للخبير في المجال المراد و التخصص المبتغى. إن ما سبق إنما هو إعادة صياغة مني لحكمة بليغة لابن قيم الجوزية: ”*العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفع”.
و نحن على أبواب عيد الأضحى استحضرت ذاكرتي هذا القول البليغ لابن القيم حتى أذكر نفسي بضرورة ابتغاء وجه الله من أضحية العيد ليتحقق المبتغى من ذلك عند الله و هو فداء نفسي و أهلي من الفتن.
استحضرت بذلك أيضا أهمية تصحيح النوايا في كل عمل عمل، وما قال فيه العلماء من أقوال عظيمة كتلك التي فاه بها سفيان الثوري في جامع العلوم و الحكم “ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ” و لذلك صحب الأوائل خبراء النفوس و فقهاء الباطن لاهتمامهم بأعمال القلوب، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم:**“ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب*“، فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه.
أمر موسى بخلع نعليه بالواد المقدس طوى ليتجلى الحق له و يسمع الخطاب، و هكذا فيمكن القول بلا حرج أنه لا تحلية بأوصاف الحق الا بعد التخلية من أثقال النفس، و هذا هو عين ما سماه علماء الأخلاق بالتزكية، فكلما تخلى العبد من أثقال الرياء و العجب و تواضع لصحبة الأخيار، الا و تحلى شيئا فشيئا بفضل تيك الخصلتين بحلل الرضا و العناية.
توضأ يا مريد الحق بماء الغيب “ورد القرآن الكريم” و اغتسل من جنبات غفلتك بماء التوحيد “لا إله الا الله” ثم اخلع عنك نَعْلَيْ العجب و الرياء، و ادخل في سيرورة عمل الخير مجردا عنهما… تلق النتيجة وعدا من الله حقا متجلية في القبول.
جاء في حكم ابن عطاء الله السكندري “الأعمال صور قائمة و سرها و أرواحها وجود سر الإخلاص فيها” و لذلك كان من قواعد الأخلاص عند أهل الخير ” استواء كتم الحسنات بكتم السيئات من علامات إخلاص الإخلاص” و قد جاء عن ابن حازم الأندلسي في الأخلاق و السيرأنه قال: “اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك” و و ذكر فيه أيضا من عجيب ما يمكن أن نسوقه في مثل هذا المقام من ذكر الرقائق أن سُرِّيِّة كانت تقول للربيع بن خثيم: “إنه كان يدخل على الربيع الداخل وفي ِجره*المصحف*فيغطيه” طبعا خوفا على نفسه من الرياء، و ذكر الأندلسي بعد ذلك أن سهل بن منصور كان يحكي: “كان بِشر يصلي، فيطوّل ورَجُل وراءه ينظر، ففطن له، فلما انصرف قال: لا يعجبك ما رأيتَ مني، فإن إبليس قد عَبَدَ الله دهرًا مع*الملائكة”.
لا شك أن السفر في هذه الدنيا هو لغاية العودة، العودة الى الفطرة، لذلك أجد أن أحسن حكمة يمكن الاستئناس بها في الختام هو ذلك المثل الفرنسي المعروف ” Ce que j’aime dans les voyages, c’est l’étonnement du retour، إن ما أعشقه في الأسفار هو دهشة العودة.

The post سَفَر مُثْقَل بجِراب رمْل. (http://www.qoraish.com/qoraish/2016/09/%d8%b3%d9%8e%d9%81%d9%8e%d8%b1-%d9%85%d9%8f%d8%ab%d9%92%d9%82%d9%8e%d9%84-%d8%a8%d8%ac%d9%90%d8%b1%d8%a7%d8%a8-%d8%b1%d9%85%d9%92%d9%84/) appeared first on قريش (http://www.qoraish.com/qoraish).